وحتى إذا ذهب التقويم الموضوعي لصورة الوضع اللبناني الى أقصى درجات الحيادية، فإن الحد الأدنى الذي يمكن قوله هو أن ما يجرى هو تعليق لنتائج الانتخابات، بما تعنيه من رجحان كفة الأكثرية في صوغ قرارات السلطة التنفيذية، في انتظار اتضاح المعادلة الإقليمية. لكن سواء أكان الأمر نسفاً لهذه النتائج أم تعليقاً لها لمدة معينة، فإنه لا يعني سوى ربط التسوية التي يفرضها الوضع اللبناني الطائفي والمذهبي المعقد بالمعادلة الإقليمية – الدولية. ويصبح بذلك تعليق نتائج الانتخابات اللبنانية، أو نسفها، ذا منشأ خارجي عند حلفاء المعارضة الإقليميين، أي سورية وإيران. ولا شكوك في ذلك على رغم أن الشروط التي تعيق انعكاس هذه النتائج على تشكيل الحكومة مصدرها أطراف في المعارضة المحلية، فيما تضطر أطراف أخرى فيها الى مسايرة حلفائها في هذه الإعاقة، ولأسباب تفوق طاقتها هي الأخرى، لأنها أسباب إقليمية، كما هي الحال بالنسبة الى رئيس البرلمان نبيه بري الذي لا ينفك يتوسّل التوافق السعودي – السوري لكي تنجح عملية تأليف الحكومة.
وأصلاً لم يكن منطقياً أن تتمكن الأقلية من تعليق نتائج الانتخابات لولا أنها أقلية + إيران وسورية، تستمد قوتها وقدرتها على القيام بما قامت به حتى الآن من وضعية تتجاوز رأي الناخب اللبناني الى ما وراء الحدود. وقد يقول قائل إن تاريخ لبنان كان على الدوام على هذا المنوال، لكن وقائع الأسابيع الماضية تدل الى أن ما جرى ويجرى في شأن تأليف الحكومة يقفز أيضاً فوق هذا التاريخ اللبناني من زاوية تداخل العوامل الخارجية بالداخلية. فالرئيس المكلف تأليف الحكومة، سبق أن أخذ بهذه العوامل الخارجية وبمعادلة الأقلية + إيران وسورية حين قبل منذ ما قبل الانتخابات التي كان واثقاً من الفوز بها، بأن مسألة سلاح «حزب الله» خارج النقاش لأن حله خارجي، ووافق على أن القرارات المتعلقة بالمقاومة وغيرها من القضايا المصيرية لا تطرح على التصويت في مجلس الوزراء قبل التفاهم عليها، وترجم الحجم الإقليمي الفائض للأقلية بقبوله محدودية أرجحية الأكثرية وحرمانها حصة النصف + 1 في مقابل حصول الأقلية على الثلث الذي يخولها إقالة الحكومة بمجرد استقالته، وقبل بأرضية لصناعة التسويات بين الفريقين عبر الحصة الترجيحية لرئيس الجمهورية، القابل للتأثر بموقف المعارضة ومعها سورية وإيران، في شكل متعادل مع تأثير الأكثرية عليه... بل إن الحريري أظهر حكمة عالية بانسجامه مع مقتضيات التفاهمات الإقليمية التي قضت بتوليه رئاسة الحكومة من أجل المصالحة مع دمشق في سياق التوافق السعودي – السوري. وهي حكمة فيها تفوّق على الذات.
في المقابل بدت شروط الأقلية التي تلغي نتائج الانتخابات وكأنها إلغاء للداخل اللبناني، لحساب الخارج بالكامل. إلا أن خطورة إلغاء نتائج الانتخابات تكمن في أنها إنكار لكل الوقائع السياسية التي ظهرت خلال السنوات الخمس الماضية، والتي أفرزت هذه النتائج. وهو إنكار يلغي تراكم الأحداث وردود الفعل عليها منذ قرار سورية التمديد للرئيس السابق إميل لحود، ومن ثم لآثار اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب سورية من لبنان ولكل الأحداث اللاحقة التي امتزجت فيها الدماء بالأمن وبالسياسة، بشقيها الداخلي والخارجي.
وفي انتظار أن يتبلور موقع اعتذار الحريري من التفاهم السعودي – السوري، الذي برهنت الأحداث أن دمشق كانت تنتظر تطويره الى أكثر من التوافق على رئاسة الحريري للحكومة، بالطلب منها التدخل لتسهيل تأليف الحكومة لاستعادة دورها القديم، دور ما قبل اغتيال الحريري وانسحابها من لبنان، فإن العودة الى الوراء تعني الإمعان في إلغاء أحداث السنوات الماضية وتراكم الشعور بالقهر مجدداً لدى قطاع واسع من اللبنانيين في وقت يسعى معارضون وأكثريون الى تشذيب الحساسيات على المستوى الشعبي.
يستحيل إلغاء وقائع السنوات الماضية. قد نجد شبهاً بينها مثل عبارة الحريري الابن بالأمس إن «الله على ما أقوله شهيد»، القريبة من عبارة «استودع الله لبنان الحبيب» حين اعتذر الحريري الأب عن عدم تأليف الحكومة عام 2004، على رغم اختلاف الظروف.
| 