You are here:الأنباء RegisterLogin

anbaa

العدد 2114

الثلاثاء 31/08/2010

 

_______________________

رئيس التحرير: رامي الريس

المدير المسؤول: عزيز المتني

العنوان:

المركز الرئيسي للحزب التقدمي الإشتراكي،

وطى المصيطبة، شارع جبل العرب، الطابق الثالث

هاتف و فاكس مباشر:

01/309123

03/070124

البريد الإلكتروني:

alanbaa@msn.com

موقع الحزب على الإنترنت:

www.psp.org.lb 

بيروت رائدة الحريات تحمي حركة الطباعة والأنظمة التسلطية تبطئها / كلود ابو شقرا
27 تموز, 2010

 "الطباعة في لبنان والمشرق" عنوان كتاب صدر حديثاً للدكتور أنطوان الدويهي  (صادر ناشرون- ترجمة النص إلى الإنكليزية لجميل غالب)، يتناول كيفية انتقال الطباعة إلى المشرق وتطوّرها فيه والعوامل التي حددت منذ البداية ظهور هذا الفن ومساره، ويختصرها المؤلف في اثنين: مدى تفاعل المجتمع المشرقي مع أوروبا منذ القرن السادس عشر حتى مطلع القرن العشرين، مدى رغبة التحديث والتطوير الاقتصادي والحرية وحركة التعليم في المجتمع الشرقي... كون هذه المعطيات عصب الطباعة وشرط نموها.


 في مستهل دراسته  توقف  المؤلف عند الكتاب المطبوع الأول الصادر عن مطبعة مار أنطونيوس قزحيا عام 1585 وعند الكتاب الصادر في الدير نفسه عام 1610، وهو في الحالتين كتاب "المزامير"  باللغتين السريانية والعربية، إنما بالحرف السرياني (ما يعرف بالكتابة الكرشونية)، ولا يستطيع بالتالي الاطلاع عليه إلا من يعرف العربية ويقرأ السريانية معاً.

 أما لماذا بقيت الطباعة في بلدان المشرق منذ مطلع القرن السادس عشر حتى مطلع القرن العشرين شأنا مسيحياً وابتعاد المسلمين عنها، فيعزو المؤلف ذلك إلى رفض السلطات العثمانية العليا والمراجع الدينية الإسلامية في السلطنة العثمانية لفن الطباعة، وقد استمرّ هذا الرفض حوالى القرنين وثلث القرن إلى أن افتى شيخ الاسلام عبد الله أفندي في العام 1711 بجواز طبع كتاب اللغة والتاريخ والطب وسائر المعارف والفنون على أن يحظر استخدام الطباعة في مجال كتب الدين الإسلامي. وبدأت مع العام 1728 الطباعة باللغة التركية والعربية في الآستانة، فيما اقتصرت الكتب المطبوعة لدى الجماعات المسيحية من طوائف شرقية مختلفة وإرساليات أجنبية على المؤلفات الدينية المسيحية والكتب اللغوية.

تراكم ثقافي

 في سياق بحثه يورد المؤلف أن نهضة النصف الثاني من القرن التاسع عشر لم تحدث فجأة ولم تخرج من العدم، فهي وليدة تراكم ثقافي ومعرفي وعمراني على مدى أكثر من قرنين ونصف القرن، ويفاجأ الباحث عندما يتابع ظاهرة الطباعة وسائر الظواهر الثقافية بمدى التكامل بين المؤسسات والتحولات والأحداث التي صنعت شيئاً فشيئاً حركة النهضة التي يندرج فيها فن الطباعة.

 في مستهل هذه العوامل العلاقة بين الكنيسة المارونية وروما لأنها مفتاح فهم أمور كثيرة في الحالة اللبنانية والمشرقية في القرون الأخيرة، يرى المؤلف أنها اتاحت لمجتمع الجبل اللبناني أن ينفتح على أوروبا منذ بداية نهضتها في القرن السادس عشر، لا سيما مع تأسيس المعهد  الماروني عام 1584 على يد البابا غريغوار الثالث عشر (صاحب التقويم الغريغوري الشهير) في عهد البطريرك الماروني سركيس الرزي، الذي شكل جسر الاتصال الأول في الأزمنة الحديثة بين المشرق والغرب الأوروبي، أي قبل أكثر من قرنين على حملة بونابرت على مصر، وقد أتاح لأبناء جبل لبنان فرصة التعلم في أوروبا الناهضة والتفاعل مع مجتمعاتها وثقافتها، بما فيها فن الطباعة. يلاحظ المؤلف أن إسهام خريجي المعهد الماروني الروماني في الطباعة العربية والسريانية أبطأ حركة الطباعة في جبل لبنان، أما أثر المعهد الماروني فتخطى ظاهرة الطباعة وخرج 280 إسماً معروفاً من المنتسبين إليه قدموا إسهاماً كبيراً في علم الاستشراق، خصوصاً تكريس الدراسات العربية والسريانية في المعاهد والجامعات ودور الكتب الأوروبية.

 من ثم توقف المؤلف عند ريادة مدينة حلب في طباعة أول كتاب في المشرق باللغة والحرف العربيين عام 1706 في مطبعة بطريرك الروم أثناسيوس الثالث دباس، وكان لا بد من الانتظار 120 عاماً  قبل أن تقوم مطبعة أخرى في حلب هي مطبعة بلفتطي ( من جزيرة سردينيا) التي أصدرت ديوان إبن الفارض سنة 1811.

 أما العامل الثالث الذي ساهم في انتشار الطباعة فكان ثقافة الحرية التي بدأت تتأسس في جبل لبنان وما بات يميزه من نزوع نحو الحكم الذاتي وتسامح ديني وحيوية مجتمعية وانفتاح على العالم،  وقد انعكس الانشقاق الذي عرفه الروم بين اتجاه المؤيد لبيزنطية والاتجاه المؤيد لروما بشدة على الروم الكاثوليك في حلب فسلك العديد منهم طريق الهجرة إلى لبنان، وكان الشماس عبدالله زاخر من أركان مطبعة البطريرك أثناسيوس دباس في حلب حيث اكتسب خبرته الطباعية، ومن أشد المؤيدين للإتجاه الكاثوليكي، ففرّ إلى جبل  لبنان ولجأ إلى مار يوحنا الشوير للروم الكاثوليك وتنقل بين دير اللويزة الماروني ودير الآباء اليسوعيين، وأنشأ بمؤازرة الأب بيار فروماج مطبعة مار يوحنا الشوير، وفي العام 1734 صدر عن مطبعة الشوير كتاب "ميزان الزمان" تأليف الأب نيربرغ اليسوعي وترجمة الأب فروماج وهو أول كتاب مطبوع بالعربية في لبنان.

محمد علي

 يتوقف المؤلف عند حملة نابليون بونابرت التي جلبت معها روح الحداثة الأوروبية وحملت إلى مصر مفاهيم الثورة الفرنسية.  اهتم نابلوين بإحضار المطابع معه، فظهرت المطبعة للمرة الأولى في تاريخ مصر عام 1798 في الإسكندرية ثم في القاهرة، وقد  اهتمّ بونابرت بتجهيز مطابع الحملة بحروف عربية وفرنسية ويوناية، واصبحت لديه أيضاً حروف سريانية وقبطية وعبرية.

 كذلك يفرد المؤلف مكاناً للدور الذي اضطلع به محمد علي الذي، ما أن عينه العثمانيون والياً على مصر عام 1805، حتى  أطلق حركة التعليم وأسس المعاهد العالية والمدارس، ولم يكن هذا المجهود التحديثي ممكناً لولا الطبتاعة التي أدرك محمد علي أهميتها المحورية في مشروعه، فانشأ عام 1822 مطبعة بولاق الشهيرة التي أولى إدارتها لنقولا مسابكي بعد ما أرسله عام 1815 إلى ميلانو لتعلم الطباعة. ومع مطبعة بولاق خرجت حركة الطباعة في المشرق من التباطؤ ونشرت المطبعة 242 كتاباً باللغات العربية والتركية والفارسية موزعة على العلوم العسكرية والبحرية وعلى مختلف العلوم التطبيقية البحتة والإنسانيات، حيث ألف الطهطاوي وحده وترجم 28 كتاباً في التاريخ والجغراقيا والعلوم العسكرية والفلسفة اليونانية وغيرها... بالإضافة إلى الكتب الأدبية والدينية والمعاجم وكتب التراث الشعبي، فضلا عن طبع صحيفة "الوقائع"  الصادرة عام 1828 وهي أول جريدة رسمية في الشرق، إلى جانب مطبعة بولاق ظهرت مطابع في المدارس تصدر الكتب العالمية المختلفة بعد نقلها إلى العربية. بعد وفاة مجمد علي مرت المطبعة بتقلبات عديدة وظروف صعبة  قبل أن يطلقها من جديد الخديوي اسماعيل عام 1865.

بيروت الرمز

 يلاحظ المؤلف أن حركة النهضة في المشرق التي قامت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر جعلت من الطباعة ظاهرة راسخة مندرجة في بنية ثقافية واسعة، وشاءت عوامل التاريخ والجغرافيا أن تكون ببروت رمز هذه الحركة، جنباً إلى جنب مع موقعين كبيرين: جبل لبنان ووادي النيل، وذلك لعوامل عديدة من بينها: قربها الجغرافي من جبل لبنان، التعددية الدينية الفريدة في مجتمعها، ضعف الارث العثماني والمملوكي فيها ما سهّل لها التفاعل مع الحداثة، انتقال الطرق التجارية الكبرى من مدن الداخل إلى المدن البحرية إثر تطور العلاقة بين أوروبا والمشرق... جذبت هذه المعطيات مطبعة المرسلين الأميركيين إلى بيروت عام 1824 ثم مطبعة الآباء اليسوعيين عام 1848، وهما المطبعتان اللتان سيكون لهما أعمق الأثر في إنتاج الكتاب العربي ونشره في الشرق في القرنين التاسع عشر والعشرين.

 كانت بيروت عرفت مطبعتها الأولى في أواسط القرن الثامن عشر عندما أسس فيها يونس الجبيلي مطبعة القديس جاورجيوس الأرثذوكسية التي أصدرت كتابها الأول عام 1751. بعد ذلك وفي فترة وجيزة قامت في المدينة مطابع كثيرة أهمها: مطبعة خليل الخوري المعروفة بـ المطبعة السورية (1857)، المطبعة الشرقية لصاحبها ابراهيم النجار (1858)، المطبعة العمومية لصاحبها يوسف الشلفون (1861)، مطبعة الآداب لصاحبيها أمين وخليل الخوري (1889)...

 يشير   المؤلف إلى  أن تكاثر المطابع لم يقتصر على بيروت بل شمل الجبل اللبناني أيضاً، وقد صدرت عن هذه المطابع صحف في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين  ومئات الكتب في المجالات الأدبية والفكرية والعلمية والتاريخية والدينية واللغوية وغيرها، إلى جانب الكتب المدرسية، إلا أن الثقل الطباعي ظل من نصيب المطبعة الأميركية والمطبعة اليسوعية. لم تقتصر هذه الحركة على لبنان  وبيروت بل تخطتهما في اتجاه الديار المصرية وباريس والمهاجر في الولايات المتحدة الأميركية وأميركا الجنوبية، أنشأ اللبنانيون في مصر مجموعة من الصحف والمجلات  وظهرت مع المهاجرين الأميركيين حركة صحافية وأدبية واسعة وانطلق معها الأدب المهجري.
 
 يستنتج المؤلف أنه رغم الظروف المختلفة التي مرّ بها لبنان ومصر في النصف الأول من القرن العشرين ورغم التحولات التي واجهاها، فقد استطاعا الاستمرار في النهوض الطباعي ومواكبة حركة التحديث التقني في هذا القطاع في جو من الغنى الفكري والأدبي الذي عرف بـ "النهضة الثانية"، أما في النصف الثاني من القرن العشرين لغاية اليوم فقد اختلف الأمر اختلافاً عميقاً، بينما استمرّ لبنان وحده في تجسيد ثقافة الحريّة التي لا يحيا الإبداع الفكري والأدبي والفني من دونها ولا تحيا من دونها الطباعة والصحافة والنشر، غرق المشرق بمجمله في النظام السلطوي.

|
الاعداد Minimize
  
جميع الحقوق محفوظة Terms Of UsePrivacy Statement